ابن عجيبة

101

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله في توبيخ أحبار اليهود ، كانوا إذا استرشدهم أحد من العرب دلوه على الإسلام ، وقالوا له : دين محمد حق ، وهم يمتنعون منه ، وقيل : كانوا يأمرون الناس بالصدقة وهم يبخلون ، فقال لهم : كيف تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ والإحسان ، وتتركون أَنْفُسَكُمْ في الكفر والعصيان ، وأنتم تدرسون التوراة الصحيح ، وتعلمون أن ذلك من أقبح القبيح ؟ ، أفلا عقل لكم يزجركم عن هذه الخصلة الذميمة ؟ ؛ فإن من شأن العقل التمييز بين القبيح والحسن والنافع والضار ، فكل من تقدم لما فيه ضرره فلا عقل له . الإشارة : كل من أشار إلى مقام لم يبلغ قدمه إليه ، فهذا التوبيخ متوجّه إليه ، وكل من ذكر غيره بعيب لم يتخلص منه ، قيل له : أتأمر الناس بالبر وتنسى نفسك خالية منه ، فلا يسلم من توبيخ هذه الآية من أهل التذكير إلا الفرد النادر من أهل الصفاء والوفاء . وقال البيضاوي : ( المراد بها حث الواعظ على تزكية النفس ، والإقبال عليها بالتكميل لتقوم فيقيم ، لا منع الفاسق عن الوعظ ، فإن الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر ) . فانظره . وتأمل قول القائل : يا أيها الرجل المعلّم غيره * هلّا لنفسك كان ذا التعليم تصف الدواء لذي السقام وذي الضنا * ومن الضنا وجواه أنت سقيم وأراك تلقح بالرشاد عقولنا * نصحا ، وأنت من الرشاد عديم ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها * فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل إن وعظت ، ويقتدى * بالقول منك ، وينفع التعليم لا تنه عن خلق وتأتى مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم لكن من حصل له بعض الصفاء ، ذكر غيره ونفسه معهم ، وكان بعض أشياخنا يقول حين يذكر الفقراء : نحن إنما ننبح على نفوسنا . ثم أشار الحق تعالى إلى الدواء ، فقال : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 45 إلى 46 ] وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخاشِعِينَ ( 45 ) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ ( 46 )